محمد بن جرير الطبري

441

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

دين إبراهيم الإِسلام الحنيفية ، لأَنه أول إمام لزم العباد الذين كانوا في عصره والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة اتباعه في مناسك الحج ، والائتمام به فيه . قالوا : فكل من حج البيت فنسك مناسك إبراهيم على ملته ، فهو حنيف مسلم على دين إبراهيم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا القاسم بن الفضل ، عن كثير أبي سهل ، قال : سألت الحسن عن الحنيفية الحنيف ، قال : حج البيت . حدثني محمد بن عبادة الأَسدي ، قال : ثنا عبد الله بن موسى ، قال : أخبرنا فضيل ، عن عطية في قوله : حَنِيفاً قال : الحنيف : الحاج . حدثني الحسين بن علي الصدائي ، قال : ثنا أبي ، عن الفضيل ، عن عطية مثله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام بن سالم ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد ، قال : الحنيف : الحاج . حدثني الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن التيمي ، عن كثير بن زياد ، قال : سألت الحسن عن الحنيفية ، قال : الحنيف هو حج هذا البيت . قال ابن التيمي : وأخبرني جويبر ، عن الضحاك بن مزاحم مثله . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن مهدي ، قال : ثنا سفيان ، عن السدي ، عن مجاهد : " حنفاء " الحنيف قال : حجاجا . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : حَنِيفاً الحنيف قال : حاجا . حدثنا عن وكيع ، عن فضيل بن غزوان عن عبد الله بن القاسم ، قال : كان الناس من مضر يحجون البيت في الجاهلية يسمون حنفاء ، فأنزل الله تعالى ذكره : حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ . وقال آخرون : الحنيف : المتبع ، كما وصفنا قبل من قول الذين قالوا : إن معناه الاستقامة . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " حنفاء " الحنيف قال : متبعين . وقال آخرون : إنما سمي دين إبراهيم الحنيفية ، لأَنه أول إمام سن للعباد الختان ، فاتبعه من بعده عليه . قالوا : فكل من اختتن على سبيل اختتان إبراهيم ، فهو على ما كان عليه إبراهيم من الإِسلام ، فهو حنيف الحنيف على ملة إبراهيم . وقال آخرون : بل ملة إبراهيم حنيفا ، بل ملة إبراهيم مخلصا ، فالحنيفة الحنيف على قولهم : المخلص دينه لله وحده . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً الحنيف يقول : مخلصا . وقال آخرون : بل الحنيفية الحنيف الإِسلام ، فكل من ائتم بإبراهيم في ملته فاستقام عليها فهو حنيف . قال أبو جعفر : الحنيف عندي هو الاستقامة على دين إبراهيم واتباعه على ملته . وذلك أن الحنيفية لو كانت حج البيت ، لوجب أن يكون الذين كانوا يحجونه في الجاهلية من أهل الشرك كانوا حنفاء ، وقد نفى الله أن يكون ذلك تحنفا بقوله : وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فكذلك القول في الختان ؛ لأَن الحنيفية لو كانت هي الختان لوجب أن يكون اليهود حنفاء ، وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً . فقد صح إذا أن الحنيفية ليست الختان وحده ، ولا حج البيت وحده ، ولكنه هو ما وصفنا من الاستقامة على ملة إبراهيم وأتباعه عليها والائتمام به فيها . فإن قال قائل : أو ما كان من كان من قبل إبراهيم صلى الله عليه وسلم من الأنبياء وأتباعهم مستقيمين على ما أمروا به ، من طاعة الله ، استقامة إبراهيم وأتباعه ، قيل : بلى . فإن قال قائل : فكيف أضيف " الحنيفية " إلى إبراهيم وأتباعه على ملته خاصة دون سائر الأَنبياء قبله وأتباعهم ؟ قيل : إن كل من كان قبل إبراهيم من الأَنبياء كان حنيفا متبعا طاعة الله ، ولكن الله تعالى ذكره لم يجعل أحدا منهم إماما لمن بعده من عباده إلى قيام الساعة ، كالذي فعل من ذلك بإبراهيم ، فجعله إماما فيما بينه من مناسك الحج والختان ، وغير ذلك من شرائع الإِسلام ، تعبدا به أبدا إلى قيام الساعة ، وجعل ما سن من ذلك علما مميزا بين مؤمني عباده وكفارهم والمطيع منهم له والعاصي ، فسمي الحنيف من الناس حنيفا باتباعه ملته واستقامته على هديه ومنهاجه ، وسمي الضال عن ملته بسائر أسماء الملل ، فقيل : يهودي ونصراني